سيد محمد طنطاوي

65

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

يقال : خزي الرجل يخزى خزيا وخزي ، إذا وقع في مصيبة فذل لذلك . ولكن هذه النصائح الحكيمة من لوط - عليه السلام - لقومه ، لم تجد أذنا صاغية ، بل قابلوها بسوء الأدب معه ، وبالتطاول عليه ، شأن الطغاة الفجرة * ( قالُوا أَولَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ) * . والاستفهام للإنكار . والواو للعطف على محذوف ، والعالمين : جمع عالم ، وهو كل موجود سوى اللَّه - تعالى - والمراد بالعالمين هنا : الرجال الذين كانوا يأتون معهم الفاحشة من دون النساء . أي : قال قوم لوط له بوقاحة وسوء أدب . أو لم يسبق لنا يا لوط أننا نهيناك عن أن تحول بيننا وبين من نريد ارتكاب الفاحشة معه من الرجال ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف ساغ لك بعد هذا النهى أن تمنعنا عما نريده من ضيوفك وأنت تعلم ما نريده منهم ؟ ولكن لوطا - عليه السلام - مع شناعة قولهم هذا ، لم ييأس من محاولة منعهم عما يريدونه من ضيوفه ، فأخذ يرشدهم إلى ما تدعو إليه الفطرة السليمة فقال : * ( هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) * . والمراد ببناته هنا : زوجاتهم ونساؤهم اللائي يصلحن للزواج . وأضافهن إلى نفسه لأن كل نبي أب لأمته من حيث الشفقة والرعاية وحسن التربية . قال ابن كثير ما ملخصه : يرشد لوطا - عليه السلام - قومه إلى نسائهم فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد ، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ . وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ « 1 » . وقيل المراد ببناته هنا : بناته من صلبه ، وأنه عرض عليهم الزواج بهن . ويضعف هذا الرأي أن لوطا - عليه السلام - كان له بنتان أو ثلاثة كما جاء في بعض الروايات ، وعدد المتدافعين من قومه إلى بيته كان كثيرا ، كما يرشد إليه قوله - تعالى - * ( وجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ) * فكيف تكفيهم بنتان أو ثلاثة للزواج بهن ؟ قال الإمام الرازي في ترجيح الرأي الأول ما ملخصه : « وهذا القول عندي هو المختار ، ويدل عليه وجوه منها : أنه قال هؤلاء بناتي . . وبناته اللاتي من صلبه لا تكفى هذا الجمع العظيم ، أما نساء أمته ففيهم كفاية للكل ، ومنها : أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان وهما :

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 268 .